القوة في العلاقات الدولية تمثل مجموع ما تملكه الدولة من موارد مادية، وعسكرية، وبشرية، وجغرافية كاشفة عن إمكاناتها الكامنة, أما القدرة فهي الكفاءة الاستراتيجية والإرادة السياسية لتحويل تلك الموارد إلى أوراق ضغط ونفوذ.
تعد الولايات المتحدة والصين النموذج الأبرز لتبادل أدوار القوة والقدرة في العلاقات الدولية المعاصرة، حيث تصيغ هذه الثنائية شكل النظام العالمي الجديد, والصراع بين الاقتصادين الأكبرعالميا هو مزيج من القوة والقدرة، فعلى سبيل المثال يعد من صراع القدرة سباق الكفاءة والإمكانات كالتفوق التكنولوجي والتنافس الشرس على قيادة تقنيات الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والحوسبة والتحول الصناعي المتمثل في بناء بنية تحتية متطورة تضمن الاستقلالية الإنتاجية والعسكرية لكلا الطرفين, أما صراع القوة فيتجلى في القيادة العالمية ورغبة واشنطن في الحفاظ على النظام الدولي الحالي، مقابل سعي بكين لصياغة نظام متعدد الأقطاب, والتنافس لامتلاك النفوذ الجيوسياسي والاستحواز على فرض السيطرة في مناطق استراتيجية مثل بحر الصين الجنوبي ومضيق تايوان, كما تعتبر التحالفات الأمنية و الحرب الدبلوماسية واستعراض النفوذ داخل المنظمات الدولية وكسب تأييد دول الجنوب العالمي من ضمن صراع القوة
مؤخرا اجتمع رئيسا البلدين في بكين وسط حرب مفتوحة مع إيران، وأزمة طاقة عالمية، وتوترات حول تايوان والتجارة والتكنولوجيا، ورغم أن لكل طرف مطالبه وتطلعاته من هذه القمة, لكن لايريدان تقديم تنازلات, الولايات المتحدة نموذج القوة والقدرة الهيكلية المتربعة على قمة النظام الدولي كقوة عظمى تقليدية، تستند إلى عناصر قوة مادية كاسحة وممتدة, قوة عسكرية صلبة, ميزانية دفاع قياسية، ومئات القواعد العسكرية في كافة قارات العالم, ورغم كل ما سبق يأتي ترامب إلى بكين محبطا لأنه لم يستطع إيقاف الحرب على إيران, والأخيرة لم تستسلم كما رغب, فترامب صانع الصفقات، يجد نفسه اليوم في وضع لم يعتد عليه, لم ينجح في الحد من تدفق إمدادات النفط إلى الصين، ونتائج الحرب قد تؤدي إلى تحول جذري مفاجئ في الجغرافيا السياسية لمصلحة بكين, وربما احتاج مساعدة نظيره الصيني في هذا الملف لما للصين من تأثير و نفوذ لدى إيران, و تواجه القدرة الأمريكية تحديات داخلية تتعلق بالاستقطاب السياسي، مما يضعف أحياناً من سرعة استجابتها للأزمات الدولية الناشئة
أما الصين فتمثل نموذجا مثاليا لصعود القوة الكامنة والقدرة المصاحبة لها, نجحت في تحويل قوتها الاقتصادية إلى قدرة جيوسياسية نافذة عبر استراتيجيات مبتكرة فاستطاعت أن تحول نفسها إلى "مصنع العالم"، واحتلت المرتبة الثانية عالمياً في إجمالي الناتج المحلي، وامتلكت أكبر احتياطي نقدي أجنبي, وتنافس على القوة التكنولوجية المتسارعة طامحة في الريادة في مجالات الذكاء الاصطناعي، وتمتلك قوة عسكرية متنامية في تحديث مستمر بحري وجوي هائل يمنع وصول القوات المعادية إلى بحر الصين الجنوبي, وتطلق مبادرات عابرة للقارات، مثل"الحزام والطريق" ، ما من شأنه خلق تبعية اقتصادية ونفوذاً سياسياً صامتاً.. كما تظهر قدرتها الدبلوماسية المتصاعدة في قيادة تكتلات بديلة مثل "بريكس" ومنظمة شنتشن للتعاون، لإعادة صياغة النظام الدولي ليكون متعدد الأقطاب.
بكين تريد من واشنطن ليس فقط عدم دعم استقلال تايوان ولكن أن تعلن واشنطن معارضتها لاستقلال تايوان، وفي المقابل من غير المرجح أن تقدم واشنطن تنازلا كبيرا بشأن تايوان, وتريد بكين رفع الحظر عن رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة, في حين سعى ترامب إلى العودة من بكين باتفاقات اقتصادية تساعده داخليا قبل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في نوفمبر المقبل، خصوصا مع الضغوط الاقتصادية الناتجة عن الحرب وارتفاع أسعار النفط
رغم الاحتفالات البروتوكولية التي قوبل بها ترامب في بكين، فالقمة لم تخرج بجديد, الحرب الإيرانية ما تزال مفتوحة، لم يخرج الدور الصيني عن الدعوة إلى تكاتف الجهود لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، والتوتر حول تايوان يتصاعد، حيث وجهت الصين رسالة مباشرة إلى الإدارة الأمريكية بضرورة توخي أقصى درجات الحذر والتعامل بعقلانية مع هذا الملف ، مشددة على أن العلاقات المستقبلية مرهونة بطريقة إدارة واشنطن لهذه القضية التي تعتبرها الصين خطاً أحمر, والحرب التجارية لم تُحسم، فيما تتحول الطاقة والرقائق الإلكترونية والمعادن النادرة إلى أسلحة جيوسياسية.
الخلاصة أن القمة لم تخرج عن كونها استعراض للقوة والقدرة بين بكين و واشنطن, كلاهما يمتلك القوة, لكن كل طرف يوظفها على طريقته لتحقيق التفوق الجيوسياسي وهنا تختلف القدرة.